يومية

ديسمبر 2009
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
 << <مارس 2010> >>
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28293031   

إعلان

من على الخط؟

عضو: 0
زائر: 1

rss رخصة النشر (Syndication)

 

معاينة المقالات المرسلة يومي: 01/01/2001

03 مايو 2009 

خلق الرفق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

خلق الرفق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

 

خالد بن سعود البليهد


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فإن النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى البشرية بتطهير النفس من الأخلاق الرديئة وحثها على الأخلاق الحسنة. ومن أعظم الأخلاق الفاضلة التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم خلق الرفق ذلك الخلق الرفيع الذي يضع الأمور في نصابها ويصحح الأخطاء ويقوم السلوك ويهدي إلى الفضائل بألطف عبارة وأحسن إشارة وطريقة مؤثرة.

لقد أكثر النبي صلى الله عليه وسلم في الرفق فقال: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله). متفق عليه. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه). وهذا يدل على أهمية هذا الخلق وحاجة الخلق إليه في سائر شؤونهم.

إن الرفق يعني لين الجانب بالقول والفعل واللطف في اختيار الأسلوب وانتقاء الكلمات وطريقة التعامل مع الآخرين وترك التعنيف والشدة والغلظة في ذلك والأخذ بالأسهل. والرفق عام يدخل في كل شيء تعامل الإنسان مع نفسه ومع أهله ومع أقاربه وأصحابه ومع من يشاركه في مصلحة أو جوار وحتى مع أعدائه وخصومه فهو شامل لكل الأحوال والشؤون المناسبة له.

إن استعمال الرفق في الأمور يؤدي إلى أحسن النتائج وأطيب العواقب ويبارك الله في هذا السلوك وينفع به. أما استعمال العنف والشدة والغلظة تفسد الأمور وتصعبها على أصحابها وتجعل النتائج عكسية ويحرم الخير من ترك الرفق وترفع البركة في عمله ويصعب عليه الأمر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله). رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه). رواه مسلم.

كما أن الرفق له أثر حسن في التأليف بين القلوب والإصلاح بين المتخاصمين وهداية الكفار واستياقهم إلى حظيرة الإسلام والبركة في الرزق والأجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة وصلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار). رواه أحمد.

وليست الرجولة والمروءة في ترك الرفق واستعمال العنف والشدة في سائر الأحوال ويخطئ من يظن أن استعمال الرفق ينقص من قدر الإنسان أو يكون علامة على ضعف الإنسان وخوره في طلب الحقوق فإن هذا الفهم خاطئ من موروثات الجاهلية. لأن سلوك الرفق لا يقتضي ترك المطالبة بالحق أوالسكوت عن الباطل أو المداهنة فيه أو التنازل عن الحقوق وإنما هو استعمال اللطف في الأسلوب والطريقة فقط دون المضمون فالرفيق يطالب بحقه ويبين الشرع ويأمر بالمعروف ويؤدب من تحت يده ويعامل الناس ولكن كل ذلك يفعله بسلوك اللطف والرفق. قال الله تعالى: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى). وقال سفيان الثوري : (لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث : رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى عدل بما يأمر عدل بما ينهى عالم بما يأمر عالم بما ينهى).

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيش الرفق ويتمثل به في سائر أحواله وشؤون حياته كما قالت عائشة رضي الله عنها: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه). متفق عليه. وقد ثبت ذلك عنه في مجالات كثيرة منها:

1- الرفق مع الأهل: قالت عائشة رضي الله عنها: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله وما نيل شيء منه قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى). رواه مسلم. وكانت زوجه عائشة إذا هويت شيئا أتبعها إياه ما لم يكن إثما وقد أذن لها صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى أهل الحبشة وهم يلعبون وأذن لها بالفرح واللعب يوم العيد.

2- الرفق مع الخادم: فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين والله ما قال لي أف قط ولا قال لي لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا). روه مسلم.

3- الرفق مع الأطفال: فعن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهُا قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم ويدعو لهم). أخرجه البخاري. وعن أنس رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح على رؤوسهم). رواه النسائي. وكان دائما يقبل الحسن والحسين ويلاعبهما. وحمل أمامة بنت زينب في الصلاة رفقا بها.

4- الرفق مع السائل: قال أنس : (كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء). متفق عليه .

5- الرفق في تعليم الجاهل: عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه يقول: (بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أميّاه، ما شأنكم تنظرون إلي فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، لكن سكت، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فو الله ما كهرني ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن). رواه مسلم.

6- الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: عن أَبي هريرة رضي الله عنه قَالَ : (بال أعرابي في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين). رواه البخاري.

7- الرفق مع العاصي التائب: عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله هلكت، قال ما لك قال وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال صلى الله عليه وسلم هل تجد رقبة تعتقها قال: لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا فقال فهل تجد إطعام ستين مسكينا قال لا فمكث النبي صلى الله عليه وسلم قال فبينما نحن على ذلك أُتي النبي صلى الله عليه بعرق فيه تمر والعرق المكتل فقال: أين السائل فقال: أنا فقال: خذه فتصدق به). متفق عليه. وكذلك رفق مع الرجل الذي قبل امرأة وجاء نادما فبين له أن الصلاة كفارة لذنبه ولم يعنف عليه وهذا ثابت في الصحيح.

8- الرفق في الصبر على الأذى: قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: (عن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد قال ( لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال : يا محمد ، فقال : ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً). متفق عليه.

9- الرفق في التعامل مع الكفار: فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليك ففهمتها فقلت: عليكم السام واللعنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقد قلت عليكم). متفق عليه. وكان صلى الله عليه وسلم يخاطب الكفار ويناظرهم ويقبل هديتهم ويعود مريضهم ويجيرهم ويحسن إليهم إذا اقتضت المصلحة ذلك.

10- الرفق بالناس في العبادات: قال جابر بن عبد الله: (أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذا يُصلي فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء ، فانطلق الرجل وبَلَغَه أن معاذا نال منه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فَشَكَا إليه معاذا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا معاذ أفتان أنت أو فاتن ثلاث مرار فلولا صليت بـ سبح اسم ربك والشمس وضحاها والليل إذا يغشى ، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذوالحاجة). متفق عليه. وعن أنسأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه به). رواه مسلم. ومن رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته أنه نهاهم عن الوصال خشية المشقة بهم ورفقه بهم في ترك الأمر بالسواك عند الصلاة وترك تأخير العشاء إلى وقتها الفاضل خشية المشقة عليهم وغير ذلك مما يطول ذكره كالإبراد بالصلاة وقت الحر والجمع بين الصلوات حال العذر.

11- الرفق مع النفس في التطوع: فعن عائشة رضي الله عنها قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم). متفق عليه. وكان عمله ديمة ولو قل. وقال صلى الله عليه وسلم: (خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا). متفق عليه. ونهى عبد الله بن عمرو عن المبالغة في العبادة خشية تضييع الحقوق والواجبات.

ومع كون الرفق غالبا على تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من أحواله إلا أنه استعمل الشدة في أحوال خاصة كانت الشدة هي اللائقة بها والمناسبة لها وتتحقق فيها المصلحة أكثر من الرفق وسلوكها مقتضى العدل وكمال العقل الذي دل عليه الشرع:

1- في إقامة الحدود: عن أبي هريرة وزيد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم
رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها). متفق عليه. وكان لا تأخذه رأفة ورحمة في إقامة الحدود وتنفيذها.
2- في مقام التعزير: كما في قصة هجر كعب بن مالك وصاحبيه حين تخلف الثلاثة عن غزوة تبوك فهجرهم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة خمسين يوماً حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ولم يكن أحد يجالسهم أو يكلمهم أو يحيهم حتى أنزل الله في كتابه توبته عليهم والقصة ثابتة في الصحيحين.
3- في تأديب الزوجة: فقد هجر نسائه شهرا وامتنع عن وطئهن واعتزل بيوتهن في مشربة له لما ألحفن عليه في النفقة كما في الصحيحين من حديث ابن عباس: (أَن النبي صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه شهرا فلما مضت تسع وعشرون نزل إليهن).
4- في قتال الكفار وجهادهم: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
5- في زجر العاصي المعاند: عن سلمة بن الأكوع قال: (أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله , فقال : كل بيمينك. قال : لا أستطيع. قال لا استطعت , ما منعه إلا الكبر. قال : فما رفعهما إلى فيه). رواه مسلم.
6- في النهي عن البدع والمحدثات: لما رأى عمر بيده التوراة غضب وأنكر عليه بقوله: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما إن تكذبوا بحق وإنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني). رواه أحمد.

ومع ذلك فلم يكن في شدته ظلم لأحد أو مجاوزة لحدود الله في حقوق الخلق وحرمتهم. فالفقه في هذا الباب أن المشروع للمسلم استعمال الرفق في سائر الأمور إلا إذا دعت الحاجة واقتضت المصلحة في استعمال الشدة فيكون ترك الرفق في هذا المقام مشروعا.

وبهذا يتبين أن سلوك الرفق في كل شيء حتى إذا انتهكت محارم الله وضيعت الحقوق وأميتت السنة مسلك خاطئ مخالف للشرع وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم يغضب إذا انتهكت محارم الله. وكذلك سلوك الشدة في سائر الأحوال والأمور مسلك خاطئ يفضي إلى تنفير الناس وصرفهم عن الحق ووقوع العداوة والبغضاء وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتيسير وعدم التعسير وكان يرشد أصحابه بذلك إذا بعثهم إلى الأمصار. والحاصل أن الفقه والبصيرة في الدين هي أن الأصل في الأمور كلها الرفق إلا في أحوال قليلة تستعمل الشدة. قال النووي في شرح حديث الرفق: (وفيه حث على الرفق والصبر والحلم وملاطفة الناس ما لم تدع حاجة إلى المخاشنة). وهذا المسلك الحق من توفيق الله للعبد وتيسيره. فهنيئا بمن اقتدى بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وكان رفيقا لطيفا متسامحا تاركا للعنف والشدة هينا قريبا يألف ويؤلف.


خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
الرياض:12/8/1429

Admin · شوهد 136 مرة · وضع تعليق
03 مايو 2009 

نكران الجميل

نكران الجميل

 

خالد بن سعود البليهد


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد فإن الإنسان بطبيعته يعاشر الناس ويأنس بصحبتهم ويتخذ منهم إخوانا وأحبابا يفرح بهم ويركن إليهم إذا نزلت به الخطوب بعد الله ويودعهم أسراره ويبث إليهم همومه ويشاورهم في أموره وقد يحتاج إلى خدمتهم ومعونتهم ويكون لهم أيضا عونا لهم يحسن إليهم.

والناس فيهم الكريم واللئيم فيهم من إذا أحسنت إليه شكرك وعرف لك الجميل وذكرك بالذكر الحسن وكافأك على المعروف متى ما سنحت له فرصة ولو بكلمة طيبة متبعا هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: (من أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أن قد كافأتموه). رواه أبوداود.

ومنهم اللئيم من إذا أحسنت إليه تمرد وكفر معروفك وأنكر جميلك وتناساك وجفاك إذا انتهت مصلحته وتمت فائدته وهذا الضرب كثير في هذا الزمان والله المستعان.

إن الشخص الكريم بطبعه محب للإحسان والفضل إلى الغير برأيه ووقته وجهده وعلمه وشفاعته وماله لكن كثيرا من الكرماء لا يميزون بين الناس بين من يستحق الإحسان ومن لا يستحق ولذلك تقع لهم مشاكل وتواجههم عقبات في حباتهم العملية مما تصيبهم بالإحباط أو تسبب لهم الانقطاع عن بذل الخير أو غير ذلك من الآثار النفسية. قال علي بن عبد الله بن عباس : (وزهدني في كل خير صنعته إلى الناس ما جربت من قلة الشكر).

إن نكران الجميل وقلة الوفاء من الأخلاق الذميمة التي نهى عنها الشرع وحذر منها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) رواه أحمد. وهو يدل على سوء الخلق وقلة المروءة وفساد الرأي وأنانية النفس وضعف الإيمان وغيره من صفات السوء. إنه إنكار للفضل وجحود بالإحسان الذي من الله به على عباده وفتح عليهم به وكفران للنعم كما في الترمذي: (من صنع إليه معروف فوجده فليجز به فإن من أثنى فقد شكره ومن كتم فقد كفره). ومن كانت عادته كفران نعم الخلق وترك شكرهم كانت عادته كفران نعم الله وترك شكره. فلا يليق بالعاقل أبدا أن ينكر الإحسان ويتنكر له. إن اعتراف الإنسان بفضل الغير ومعروفه لا ينقص من قدره ولا يحط من منزلته بل يعلي قدره عند الله وفي عيون الخلق.

إن المؤمن ينبغي عليه أن يكون وفيا شاكرا لأهل الإحسان ذاكرا للجميل حسن العهد بمن أحسن إليه يحفظ الود ويرعى حرمة من له صحبة وعشرة طويلة لا ينسى المعروف لأهله ولو طال به الزمان. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم الوفاء لمن أحسن إليه وكان يقبل الهدية ويثيب عليها ويذكر المعروف ويجازي به بل كان يفعل أعظم من ذلك يشكر من أحسن إلى الناس فقد أعتق ابنة حاتم الطائي مكافأة لإحسان أبيها وفضائله على الناس وألبس المنافق عبد الله بن أبي بن سلول قميصه كفنا له مكافأة لمعروفه في إعطائه قميصه لعمه العباس يوم أسر في بدر وأوصى بالإحسان إلى الأنصار والتجاوز عن عثراتهم مقابل ما بذلوه في نصرة الدين والإحسان إلى المهاجرين وأوصى بأهل مصر خيرا لنسبه ومصاهرته لهم في مارية القبطية.

ومن أعظم مشاهد الوفاء في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم حسن عهده بخديجة رضي الله عنها وذكره لها بالخير وتعاهده لصوحيباتها بالصلة والبر ثبت في صحيح البخاري قالت عائشة: (وربما ذبح الشاة ، ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة). وذلك لعظم معروفها ونصرتها لدعوته ومؤازرتها له بمالها وجاهها ورأيها في أشد المواقف. ومن محبته لها وذكره لمحاسنها بعد موتها غارت منها عائشة رضي الله عنها تقول: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وآله ، فعرف استيذان خديجة فارتاع لذلك ، فقال: اللهم هالة . قالت : فغرت فقلت : ما ذكر من عجوز من عجايز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيرا منها). رواه البخاري. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن حسن العهد من الإيمان).

وقد كان السلف الصالح يعرفون الفضل لأهله ويجازون الإحسان بالإحسان ويكافئون أهل المعروف ولا ينكرونه. لما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر بن يحي وما نزل بالبرامكة حول وجهه إلى الكعبة وقال : اللهم إنه كان قد كفاني مؤونة الدنيا فاكفه مؤونة الآخرة. ومكث الإمام أحمد أربعين سنة ما بات ليلة إلا ويدعو فيها للشافعي وفاء بمعروفه في تعليمه الفقه والأصول.

إن نكران الجميل له صور مشاهدة في حياتنا تتكرر مع الأيام مع الولد والزوج والزوجة والجار والقريب والبعيد وتروى في هذا الباب قصص غريبة وأحوال عجيبة. ومن أشنع صور نكران الجميل ما يلي:

1- أن يحسن الشيخ للتلميذ ويرشده للهداية ويدله على طرق الخير ويفني الأوقات الطويلة في تعليمه العلم وتفقيهه في دين الله ويصبر على جهله وسوء أدبه وعجلته فإذا كبر التلميذ وصلب عوده وأصاب حظا من العلم وأدرك المسائل وصار من أهل العلم جفا شيخه وتناسى معروفه ولم يحفظ له الجميل ولم يقر بالفضل لأهله وربما أساء إليه وتطاول عليه وصار عاقا به.
2- أن تحسن الزوجة إلى الزوج وتكون كريمة معه بمالها وتضحي لأجله وتقف معه حال فقره وشدته وتقدم له الشيء الكثير في سبيل إرضائه ومحبته وربما كان مريضا فتصبر وتحتسب وتسهر عليه فتبذل كل ما تملك في سبيل شفائه فإذا استغنى الزوج وصلحت حاله وأقبلت عليه الدنيا رحل عنها وطردها وشردها في الوقت التي تكون في أمس الحاجة إلى عطائه وإحسانه فينسى معروفها ويتناساها ويقابل الإحسان بالإساءة وربما ذكرها بسوء.

وبعض المحسنين يشتكون أهل زمانهم في قلة الشكر والنكران للجميل وعدم الوفاء فإلى هؤلاء أقدم لهم وصايا نافعة:

أولا: إذا أحسنت فاجعله لله وتعامل مع الله ولا تتعامل مع الخلق ولا تنتظر من أحد جزاء ولا شكورا.
ثانيا: إحرص على اختيار الشخص المناسب من أهل المروءة والفضل الذي يستحق الإحسان والبذل.
ثالثا: إتق شر من أحسنت إليه وكن على حذر منه.
رابعا: وطن نفسك على تغير أحوال من أحسنت إليهم وتوقع منهم النكران والجفاء.
خامسا: لا تجعل إحسانك للناس وعطائك على حساب أهلك ونفسك مما يلحق الضرر بك ويسبب لك الحرج إلا إذا تيقنت أن إحسانك في موضعه وأن معروفك في أهل العلم والفضل ممن يتقرب إلى الله بخدمتهم وإيثارهم.
سادسا: عند بذلك للإحسان والفضل كن واثقا بالله معتمدا عليه ثم على قرارك المناسب ورأي أهل الحكمة ولا تلتفت أبدا إلى أقاويل الناس وإشاعاتهم التي تسفه الكريم على بذله وإحسانه وتذمه على منعه وإمساكه فإن من أرعى سمعه لكلام الناس اختلطت عليه الأمور وتوقف عن عمل الخير والناس لا يرضيهم شيء.

خالد بن سعود البليهد
binbulihed@gmail.com
الرياض: في 4/5/1429

Admin · شوهد 127 مرة · 4 تعليق
03 مايو 2009 

تنزيه بيوت الرحمن من معازف الشيطان

تنزيه بيوت الرحمن من معازف الشيطان

 

خالد بن سعود البليهد


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد فإن من الأمور المبكية المحزنة ما حدث في الآونة الأخيرة من ظاهرة خطيرة في بيوت الله من سماع النغمات الموسيقية المنبعثة من الهواتف الجوالة في كثير من المساجد والأحوال مع قلة النكير والنصيحة واتخاذ الإجراءات الواقية من ذلك.

إن وجود هذه الظاهرة وكثرتها لهو دليل على استخفاف الفاعلين واستهانتهم بحرمات الله وقلة تعظيمهم لشأن الصلاة. فإن كانوا مصرين فالجرم عظيم وإن كانوا متهاونين وهو الغالب عليهم فلا عذر لهم عند الله لأنهم مفرطون في التعظيم الواجب وترك صيانة بيوت الله من العبث واللغو الذي لا يليق بها.

إن بيوت الله من أطيب البقاع وأحبها إلى الله كما ورد في الأثر: (أحب البقاع إلى الله المساجد و أبغض البقاع إلى الله الأسواق). رواه أحمد . وإنها بنيت للتسبيح والتهليل والتكبير وقراءة القرآن والصلاة وغير ذلك مما يكون من جنس العبادة.إنها دور الله وحقها التعظيم والإجلال والصيانة من كل دنس حسي ومعنوي. قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ). وقال تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ). وفي سنن أبي داود قالت عائشة رضي الله عنها: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب).

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن كل قول وعمل يدنس المسجد وينقص حرمته ويفسد مهابته مما يقصد به الدنيا والمال. كما ثبت في السنة عن نهيه عن إنشاد الضالة كما في صحيح مسلم أنه قال: (من سمع رجلاً ينشد ضالةً في المسجد فليقل : لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لذلك). ونهى عن البيع والتجارة فيه بقوله: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح الله تجارتك). رواه الترمذي. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أمور مباحة في الأصل لكونها ذريعة إلى امتهان المسجد وصرفه عن الغاية والهدف الذي بني من أجله فكيف والعياذ بالله ارتفاع معازف الشيطان هذه النغمات الموسيقية في المسجد أثناء الصلوات المفروضات فياله من منكر عظيم.

إن الوقوف بين يدي الله ومناجاته لأمر عظيم يفرق منه المؤمن ويشعر بهيبة الموقف وعظم الملك الجبار الذي يقف بين يديه ويخاطبه ويناجيه يرجو رحمته ويخاف عذابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينا عظم الموقف: (إن أحدكم إذا كان في الصلاة كان الله قبل وجهه فلا يتنخمن أحد منكم قبل وجهه في الصلاة). متفق عليه. وعند النسائي: (إن أحدكم إذا قام في صلاته فانه يناجي ربه وإن ربه بينه وبين القبلة). وقال صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس إن المصلي إذا صلى فإنما يناجي ربه تبارك وتعالى فلينظر بما يناجيه و لا يجهر بعضكم على بعض). رواه أحمد.

إن تساهل بعض المسلمين اليوم بهيبة المسجد وعظم الموقف لهو حالة مرضية تدل على ضعف الإيمان وقلة البصيرة والذهول عن الوعد والوعيد وكثرة الغفلة ولو أن أحدهم وقف أمام ملك من ملوك الدنيا أو مسئول لرأيته خاشعا ساكنا لا يشتغل بأمر إلا بالإنصات وحسن الحديث وهذا أمر طبيعي لا يعاب عليه المرء ولكن المصيبة أن لا يعامل رب هذا الملك بمثل معاملته أو أعلى منه.

إن الانسان يستطيع أن يتخلص من هذه العادة المنكرة بإغلاق الجوال نهائيا للتفرغ للعبادة فإن لم يفعل فليضعه على الوضع الصامت أو يبرمجه على برنامج الإنصات أوقات الصلوات وهو متوفر في جميع المراكز. ومع ذلك فإن ظهر منه تقصير مرة واحدة ثم ندم واستغفر فيتجاوز عنه ويغتفر ولكن أن يستمر هذا السلوك معه في كثير من الأحيان ويصر عليه مع مناصحته ويرى أن الأمر سهل لا يحتاج إلى إنكار ومبالغة فهذا والله منكر لا يسع السكوت عليه.

إن الذي ينبعث من جواله نغمات موسيقية داخل المسجد واقع في عدد من المفاسد:

1- كون هذا النغمة منكر مخالف للشرع.
2- أنه استهان بحرمة المسجد ومهابته.
3- أنه فرط بتعظيم شعائر الله.
4- أنه أفسد على الناس صلاتهم.
5- أذهب الخشوع عن نفسه وغيره.

إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إيذاء المصلين بالروائح الكريهة كما قال: (من أكل البصل و الثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم). رواه مسلم. وهذا إيذاء حسي فكيف بمن يؤذي المصلين إيذاء معنويا أشد يشغلهم عن التعقل والتدبر في صلاتهم ويقطع عنهم الخشوع والسكينة. و والله لو تفكر وتأمل هذا المتساهل في شناعة فعلته لأيقن أنه متعد على حرمة المسجد والصلاة وحقوق المصلين لو تصور مثلا حضور فرقة موسيقية إلى باحة المسجد وقيامها بالأغاني داخل المسجد وأثناء الصلاة فكيف سيكون الحال لا شك أنه سينفر من ذلك ويقوم بأشد الإنكار عليهم لظهور المنكر وفعله هو من جنس فعلهم وإن كان أخف مخالفة ومرتبة لأنه نقل صوت الموسيقى داخل المسجد وهذا هو عين المنكر الذي نهى عنه الشرع ولا يختلف حكم التحريم في كلتا الحالتين وإن كانا يتفاوتا في درجة التحريم. وهو آثم شرعا والواجب عليه أن يتوب ويكف عن ذلك ويستغفر الله ويقدر قدره.

إن الواجب على كل مسلم أن يعظم حرمة المسجد ويصونه من كل دنس حسي ومعنوي ويكون معظما لشعائر الله لتعظيمه لله وإجلاله لأحكامه وشرعه قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ). وقال تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ).

إن الواجب على الأمة أن تنهض وتجتهد في إنكار هذا المنكر الذي يغزو بيوت الله ويصيب المؤمن في مقتل في أعظم أحواله وأجمل أوقاته وأطيب أفعاله في محراب عبادته. إن على الإمام مسؤولية عظيمة في الحد من هذا المنكر وتقليله في التنبيه للمصلين قبل الدخول في الصلاة وتوعية المصلين بحرمة هذا العمل أثناء الكلمات وتكرار التوجيه. وكذلك جماعة المسجد إذا تعاونوا لهم دور عظيم في النصيحة والإنكار كل على حسب استطاعته وقدرته. وكذلك المسئولون عن الشؤون لدينية على عاتقهم مسؤولية عظيمة في إزالة هذا المنكر وتقليل وقوعه في مساجد المسلمين عن طريق النشرات وعقد اللقاءات والبحث مع العلماء والمختصين عن وسائل وقائية تمنع وقوعه في الأصل أو تقلله وتحد من انتشاره ومن اهتم لأمر وتكلف إصلاحه وصدق العزم حري بأن يوفقه الله. والعالم المسلم التقني الذي يخترع جهازا مناسبا للقضاء على هذا المنكر في المساجد له ثواب عظيم في حفظ عبادات الناس وتعظيم الصلاة ويرجى أن يكون عمله من السنة الحسنة والوقف الذي لا ينقطع ثوابه.

أما أن يترك الحبل على الغارب ولا يحرك هذا المنكر ساكنا في المسلمين ولا تقوم جهود وأعمال كبيرة تناسب كثرته وانتشاره في المساجد في الوقت الذي نحظر فيه تشغيل الجوال أو استعماله في أماكن وأحوال لأجل سلامتنا في الأبدان فهذا والله من الحرمان من الخير وضعف الغيرة وقلة الاهتمام بهذه الشعيرة العظيمة التي شدد في أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.


خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
5/4/1430
 

Admin · شوهد 227 مرة · 3 تعليق
03 مايو 2009 

الكنز الضائع

الكنز الضائع

 

خالد بن سعود البليهد


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد فإن نعم الله عز وجل لا تحصى وآلائه لا تعد على الانسان كما قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا). وهذه النعم كثير منها ظاهر مشاهد محسوس يشعر بها العبد ويكثر من ذكرها والثناء بها على مسديها والمنعم بها. لكن هناك بعض النعم غير مشاهدة ولا محسوسة لا يشعر بها ولا يدرك قيمتها إلا خواص الناس وعقلائهم لخفائها وكثرة وقوعها.

ومن هذه النعم العظيمة التي لا يفطن إليها نعمة الوقت فهو كنز ثمين ضائع عند كثير من الخلق ومفقود عند أهل البطالة والكسل كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ).رواه البخاري.

إن كثيرا من الناس اليوم مضيع لقيمة الوقت غير مكترث بأهميته يقضيه باللهو والكسل والنزهة واللقاءات الفارغة من كل فائدة وإذا تأملت في حياته لم تجد أي برامج أو أنشطة مفيدة.

أسباب تضييع الوقت والاستخفاف به:

1- الجهل بقيمة الوقت وقدره وعظم منزلته.
2- عدم إدراك منافعه والآثار الحسنة المترتبة على استغلاله.
3- عدم معرفة حقيقة الدنيا والركون إليها.
4- طول الأمل والاغترار بالصحة والغنى.
5- نسيان الموت والذهول عن أهوال القيمة وأحوال الآخرة وشدة الحساب.
6- رفقة أصحاب السوء وأهل البطالة الذين لا يقيمون للوقت وزنا ولا يحسبون له أي حساب.

إن من أعظم البلاء على المرء أن يكون مضيعا لوقته مفرطا لساعاته سائر الأحوال لا يشتغل بتحصيل أمر يعود على إصلاح دينه وتزكيته ولا بأمر يعود بالنفع على دنياه وتراه يلهث وراء شهواته وباطله كالبهائم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (إني لأمقت الرجل أن أراه فارغا ليس في شي من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة).

وأعجب من ذلك أن تجد كثيرا من شباب اليوم يحس بثقل الوقت وملله ويشتكي من ذلك ويشعر بالفراغ ويحاول جاهدا أن يقتل هذا الفراغ ويتخلص منه بسفاسف الأمور ولم يدر هذا المسكين هداه الله أن أهل الآخرة يندمون ويتحسرون على كل ساعة ومجلس مر عليهم من غير أن يذكروا الله فيه كما روي في سنن أبي داود عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما جلس قوم مجلسا فتفرقوا عن غير ذكر الله عز وجل إلا تفرقوا عن مثل جيفة الحمار وكان ذلك المجلس عليهم حسرة يوم القيامة). وفى حديث آخر. (لا يجلس قوم مجلساً لا يذكرون الله عز وجل ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة). وقال تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ). وهذا فيمن أضاع وقته باللهو الذي لا فائدة فيه فكيف بمن أفناه في ارتكاب الآثام ومقارفة الكبائر والسهر على معصية الله وتضييع الفرائض.

إن المؤمن الحق يستثمر هذا الوقت فيما ينفعه في دينه ودنياه وليس في حياته وقت فراغ ولا إجازة كما يراه أهل الدنيا فلا ينقطع عن الذكر والعبادة ولو كان في نزهة لأنه مؤمن أن الله سائله عن هذه النعمة ومحاسبه عليها هل أدى شكرها أم لا.

ومن المؤسف أن ترى الناس يستبشرون بانصرام الأعوام وانقضاء الليالي والشهور ويهنئون الآخرين على ذلك وما علم هؤلاء أن هذه الأوقات تؤخذ من أعمارهم وتنقص آجالهم وتقربهم من الآخرة. قال الحسن البصري: (يا بن آدم إنما أنت أيام إذا ذهب يوم ذهب بعضك). أما أهل البصيرة والحكمة فيوقنون أنها مزرعة لأعمالهم ويعتبرون من تصرم الأعوام وذهاب السنين ويحاسبون أنفسهم ويعاتبونها في الحق فإن كانوا أحسنوا فيما مضى حمدوا الله وإن كانوا أساءوا رجعوا فتابوا وأنابوا. قال تعالى: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ). وقال قتادة: (اعلموا أن طول العمر حجة فنعوذ بالله أن نغتر بطول العمر). قال بعض السلف: (كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره وشهره يهدم سنته وسنته تهدم عمره...كيف يفرح من يقود عمره إلى أجله وتقوده حياته إلى موته).

والناس في استثمار الوقت أقسام:

1- قسم استثمره في إصلاح الدنيا وكسب المعاش وصرف همته وجهده لذلك ولم يلتفت ألبته إلى إصلاح آخرته وفرط في الطاعة الواجبة وأعرض عن ربه فهذا حاله كحال الكفار الذين عمروا دنياهم وخربوا آخرتهم.
2- وقسم استثمر وقته في إصلاح دينه ودنياه لكن صرف جل وقته وجهده في طلب الدنيا والتكثر منها وجعل اليسير لدينه وقام بالواجب منه فهذا على خير وإن كان مقتصد في عمل الآخرة.
3- وقسم استثمر وقته في إصلاح دينه ودنياه لكن صرف جل وقته وجهده في طاعة ربه والتزود من الصالحات والمسابقة في الخيرات وصرف القليل من وقته في إصلاح دنياه والحصول على قوته واستغناءه عن الخلق فهذا هو خير الأقسام وهذه طريقة الأنبياء والصالحين. قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا).
4- وقسم لم يستثمر وقته في أمر نافع وضيع وقته في السيئات والأعمال التافهات فلا دينا أقام ولا دنيا أصلح وكان عالة على غيره حملا ثقيلا على أهله فهذا حاله كفقير النصارى الذي ما أصاب دنيا ولا صلحت آخرته وهذا هو شر الأقسام.

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على استثمار وقته كله ليلا نهارا في طاعة الله ومرضاته يبتدأ يومه بصلاة الفجر ثم يمكث في المسجد يذكر الله ثم ينصرف في قضاء مصالح المسلمين والدعوة إلى الله ثم يصلي الظهر ويقيل ثم يزور أزواجه عصرا يتفقدهم ويمكث عند من كان يومها ثم يصلي المغرب والعشاء في المسجد ويصلي النوافل في البيت ويصلي من الليل ما كتب له ومع ذلك كان مشتغلا سائر الوقت بالجهاد وتعليم الخلق ووعظهم وإرشادهم ونفعهم وقضاء حوائجهم وعيادة مريضهم وإجابة دعوتهم وتفقد ضعيفهم ومواساة فقيرهم وكان يتطوع بالنوافل من صوم واعتكاف وغيره.

وهكذا كانت حال السلف الصالح رضوان الله عليهم يعتنون بنعمة الوقت ويشغلونه بالطاعة ووجوه الخير إلى درجة أن كان أحدهم لا يخاف قدوم الموت عليه لكثرة استعداده له في كل حال. قال الحسن البصري: (أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم).

فينبغي على المؤمن أن يستثمر وقته في طاعة الله يسعى في استغلاله في الأمور النافعة والبرامج المفيدة من عبادة وذكر وتعلم وتعليم ووعظ ودعوة وحضور مجالس الإيمان ونشاط في وجوه الخير والإحسان إلى الخلق واجتهاد في تعلم وتدرب كل جديد نافع من الدورات العلمية والبرامج التطبيقية التي تطوره وترفع مستواه الفكري والسلوكي والمهني.

ولا حرج أحيانا في ترويح النفس مع الأهل والأصحاب وادخال السرور عليهم والتنزه والتفكر والتأمل في آيات الله الكونية ومزاولة الرياضة فهذه أمور مباحة ونافعة وتكون عبادة إذا أحسن العبد فيها النية واستعان بها على طاعة الله ولكن ينبغي أن تكون على قدر الحاجة ولا تؤثر على حياته الجادة المثمرة. قال معاذ رضي الله عنه : (أما أنا فأنام وأقوم فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي) . رواه البخاري.

إن أعظم ما يجعل المؤمن مهتما بالوقت معظما لشأنه التأمل والتفكر في حقيقة الوقت في كونه إذا انقضى وذهب لا يرجع أبدا. وفي سرعة انقضائه وانتهاءه. قال ابن عمر: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك).رواه البخاري. وكذلك اليقين بأنه محاسب يوم القيامة على نعمة الوقت والقيام بشكرها وفيما شغله بخير أو شر بحق أو باطل كما يحاسب على المال والصحة وغيرها من النعم كما روى معاذ بن جبل رضى الله عنه قال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل به). رواه الترمذي.

وكذلك النظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأحوال أهل الهمم العالية والعزائم الكبيرة ودراسة سيرهم وتراجمهم يورث المرء نشاطا كبيرا في اغتنام الوقت ويوقظ فيه الهمة ويجعله يشعر بالأسى والندم على كل وقت ضاع بلا فائدة. قال حماد بن سلمة: (ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله عز وجل فيها إلا وجدناه مطيعا إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليا وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئا أو عائدا مريضا أو مشيعا جنازة أو قاعدا في المسجد. قال :فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله عز وجل). وكان الخطيب البغدادي يمشي وفي يده جزء يطالعه. وكان ابن عساكر رحمه الله كما يقول عنه ابنه: (لم يشتغل منذ أربعين سنة إلا بالجمع والتسمية حتى في نزهته وخلواته، يصطحب معه كتب العلم والمصحف يقرأ ويحفظ). وكان أبو الوفاء علي بن عقيل رحمه الله يقول: (إنني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن المذاكرة وتعطل بصري عن المطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا منصرف، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره). وقال الربيع بن سليمان: (كان الشافعي قد جزأ الليل ثلاث أجزاء الثلث الأول يكتب والثلث الثاني يصلي والثلث الثالث ينام). ولما حضرت أبا بكر بن عياش الوفاة بكت أخته فقال: (لا تبكي وأشار إلى زاوية في البيت فقد ختم أخوك في تلك الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة).

ومما يورث العبرة والعظة في هذا الباب التفكر في أحوال أهل الغفلة والبطالة الذين أمضوا حياتهم في اللهو والباطل والمنكرات ويظنون أنهم في سعادة وهم في الحقيقة قوم مفاليس يسعون وراء سراب لا حقيقة ومتعة زائلة كما قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا). وإن تعجب منهم فعجب زعمهم أنهم يحييون الليالي بالمعازف والرقص واللهو المحرم والأحق أن فعلهم إماتة وإفساد للوقت وإهدار لقيمته وإنما الإحياء المحمود هو قضاء الليالي بالصلاة والذكر والاستغفار والثناء والدعاء والعلم. قالت عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله إذا دخلت العشر شد مئزره و أحيا ليله و أيقظ أهله). متفق عليه. وقال تعالى: (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ).

إن الأسرة الصالحة والوالدين لهما أثر عظيم في تربية الأولاد على الاهتمام بعنصر الوقت وإدراك قيمته من خلال النصائح وإشغالهم بالأنشطة والبرامج المفيدة ومتابعتهم في ذلك وتعزيز قدراتهم على تنظيم الوقت واستثماره في أفضل الأعمال ووضع الحوافز المعنوية والمادية في سبيل تحقيق ذلك.

وأخيرا لو تأمل أحدنا وراجع حساباته كم من الساعات أضاع وكم من الليالي فرط وكم من الشباب أهدر في أمور لا فائدة فيها ولا خير يرجى منها لشعر بالحزن على تفريطه وتضييعه لهذه النعمة التي يتمناها من حرمها بسبب المرض أو الشقاء أو الحبس أو غير ذلك من المصائب التي تمنعه من الاستمتاع بالوقت وتجعله محروما من متعة الحياة. ومن فرط يمكنه التدارك وإحسان العمل قبل فوات الفوات وانقطاع الأجل والخروج من الدنيا. قال ابن مسعود رضي الله عنه : (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي).


خالد بن سعود البليهد
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة
binbulihed@gmail.com
6/2/1430
 

Admin · شوهد 112 مرة · 2 تعليق
06 مارس 2009 

نبضات الروح

سوف  يتوقف نبض الصمت .... إلى أجل  غير مسمى  !!!
Admin · شوهد 216 مرة · 2 تعليق

1, 2, 3 ... 11, 12, 13  الصفحة التالية