يومية

فبراير 2009
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
 << <مارس 2010> >>
      1
2345678
9101112131415
16171819202122
232425262728 

إعلان

من على الخط؟

عضو: 0
زائر: 1

rss رخصة النشر (Syndication)

 

معاينة المقالات المرسلة في: فبراير 2009

02 مارس 2009 

كيف يحافظ المؤمن على دينه في بلد الغربة

كيف يحافظ المؤمن على دينه في بلد الغربة

 

خالد بن سعود البليهد


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد فإن الله شرع للمسلم الإجتماع بإخوانه المسلمين في عبادات متنوعة كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين والاستسقاء وغير ذلك لحكم عظيمة. ومن أعظم مقاصد إظهار الشعائر والاجتماع عليها تثبيت المؤمن وزيادة إيمانه وتقوية صلته بربه.

إن المؤمن الصادق يجد راحة في النفس وانشراحا في الصدر وطمأنينة في القلب وثباتا على الحق في المجتمع المحافظ الحريص على إظهار شعائر الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا أمر معلوم شرعا وحسا. قال تعال: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

إلا أن المؤمن قد تطرأ عليه أحوال أو تنزل به ظروف تحمله على الإقامة في بلد كافر أو بلد إسلامي تظهر فيه مظاهر الإنحراف من الزنا وشرب الخمر والتبرج والاختلاط ومخالطة الكفار وقلة الأنشطة الدينية وغير ذلك مما يكون لذلك أثر سيء على دين المؤمن ووسيلة إلى ذوبانه وفقده التمسك بشرع الله. وكثير من المتدينين يشكون في هذه المجتمعات ضعف الإيمان وقسوة القلب ويسألون عن الإجراءات النافعة والحلول العملية للخلوص من هذه الأزمة.

إن وجود المؤمن في هذا الوضع يشكل خطرا ظاهرا على دينه لا سيما إذا أهمل هذه القضية ولم يتفاعل معها. إن الخطورة تكمن في بحر الشبهات المتلاطمة التي يسمعها في كل مناسبة عامة وخاصة من تشكيك في الدين وتطاول على أحكامه وتوجيه التهم والمطاعن عليه أو طرح مفهوم الحرية والمساواة والعلمنة وغير ذلك من الشبه التي تختلط على عقل المؤمن وقلبه ويلتبس فيها الأمر وتتمكن في قلبه ولا يستطيع دفعها. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإستماع إلى الشبه في قوله: (إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم). رواه البخاري.

وتكمن أيضا في بحر الشهوات التي تعرض عليه ليلا نهارا ويتأثر بها فأينما يمم وجهه وجد الشهوة تناديه وقد ينجر وراء كثرة المغريات وسهولة فعل المعصية وضعف الرقابة وغياب الرادع مما يجعله لا يستطيع أن يقاوم أو يصمد لفترة طويلة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا ويمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا) رواه مسلم.

إن إهمال المؤمن لمتابعة مستوى إيمانه والحرص على الحفاظ على دينه يوقعه في منزلق خطير قد ينتهي به إلى أحد طريقين:

(1) إما الانفصال بالكلية عن هذا المجتمع والعزلة عن أهله والوقوع في الغلو والتكفير والعياذ بالله فيحصل عنده يأس وقنوط من إصلاح العباد ويظن أنه بهذا التصرف أراح ضميره وأنهى مشكلته واستطاع أن يحافظ على دينه.
(2) أو التساهل والذوبان في هذا المجتمع بعوائده السيئة وأفعاله القبيحة ومجاراة أهله في مبادئهم وقيمهم التي تعارفوا عليها ولو كانت مخالفة للشرع من فعل المعاصي الظاهرة ومشاركتهم في مظاهر التحرر والتشبه والموالاة لأعداء الله ويصبح بلا هوية. وقد أوقعه في ذلك قلة بصيرته وإيثاره الدنيا على الآخرة وضعف عزيمته. وكلا الطريقين خطأ ومخالف للشرع الإفراط والتفريط.

إنه يجب على المسلم في هذا الوضع أن يعتني بحفظ دينه وحماية إيمانه والتزامه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بشرعه وأن يخشى ويحذر أشد الحذر من تغير دينه وانتكاسته فالقلوب سريعة التقلب والتغير كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. إنه يجب على المؤمن أن يكون شحيحا بدينه يحزن ويقلق إذا فقد شيئا منه أشد مما يجد إذا فقد الدنيا لا يكون كحالنا اليوم نأسف ونحزن على فقدنا للدنيا ولا نكترث إذا ذهب شيء من ديننا . فمن حزن لدينه كما يحزن لدنياه كان في قلبه حياة ونور وظلمه. ومن لم يحزن على فراق دينه وفقده كان قلبه ميتا لا حراك به فليصل عليه. ومن كان حزنه على دينه أعظم من حزنه على دنياه كان قلبه حيا ونورا لا ظلمة فيه وهو خير الثلاثة. ومهما حصل للمؤمن من فتور وضعف يذهب أثره بالتوبة والاستغفار إنما المصيبة أن تستمر هذه الغفلة حتى ترديه قتيلا والله المستعان.

إن هناك عوامل مهمة تعين على حفظ دين المؤمن وسلامته إذا أخذ بها المؤمن ثبت على الحق مهما كانت الظروف صعبة والغربة شديدة وصوت الحق ضعيفا:

أولا: أن أهم ما يثبت المؤمن استمراره على الدعاء بصدق كما كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يدعو بالثبات على الدين. فإذا ألح المؤمن في دعائه وصدق مع الله وكان موقنا بالإجابة واختار الأوقات التي يصفو فيها القلب ويخشع وتعظم الرغبة بوعد الله فحري بأن يجيب الله دعوته ويحقق مراده لا سيما إذا دعا بدعوة المضطر. قال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).

ثانيا: أن يوقن المؤمن بأن الهداية والتوفيق بيد الله يصرفها لمن يشاء من عباده ممن علم صدقه واستحقاقه لها فإذا أوقن بذلك استعان بربه وعلق قلبه به سبحانه وتبرأ من حوله وقوته وذكائه. ومن علق رجاءه بالله واعتمد عليه ووثق بعطائه حري بأن ينصره الله ويكون معه ويفيض عليه من بركاته ما يسكن قلبه ويطمئن فؤاده ويشرح صدره للإيمان ويثبته على الحق ولا يخذله ويتركه للشياطين. قال النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : ( أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ). متفق عليه .

ثالثا: أن يكثر من الأعمال الصالحة ويداوم على الفرائض والسنن. فإن المداومة على العمل الصالح يقوي الصلة بالله ويملأ القلب ثباتا ويؤتي النفس زكاة ونورا وبصيرة. وأثر الطاعة ظاهر على القلب والجوارح.

رابعا: أن يجعل له وقتا راتبا يخلو به بربه وينأى عن الخلق ودنياهم الزائلة فيذكر ربه ويحاسب نفسه ويبكي على خطيئته ويجدد العهد بربه. فلهذه المجالس أثر عظيم في شحن المؤمن بالطاقة الإيمانية وغسل القلب من الأدران والأوساخ التي علقت به من جراء فتن الدنيا ومخالطة الخلق. وإذا فرط فيها المؤمن خارت قواه ورق دينه وتعرض للهلاك. ولذلك شرعت أذكار الصباح والمساء وسبحة الضحى وصلاة الوتر والسور الراتبة. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب على ذلك.

خامسا: أن يكثر من التدبر في كلام الله والتفكر في آلائه وحال الدنيا ومآله في الآخرة وأهوال القيامة. فمن أكثر التفكر والتدبر أورثه ذلك فراسة وبصيرة ونورا تتجلى له الحقيقة في كثير من زخارف الدنيا التي تنطلي على كثير من الغافلين. ولذلك شرع التدبر والتفكر.

سادسا: أن يتفقه في دين الله ويطلب العلم لا سيما في باب الإعتقاد والسنة. فإنه إذا عرف دلائل الشرع وفقه المسائل وفتح عليه في معرفة مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قويت حجته وعظمت خشيته ولم تضره فتنة مادامت السموات والأرض.

سابعا: أن يبتعد عن الأماكن التي تكثر فيها الفتن كالأسواق والمنتزهات وغيرها ما استطاع إلى ذلك سبيلا وأن يباشرها وقت الحاجة فإن انتهت حاجته انصرف عنها وأن لا يدخل الأماكن المعدة للمعصية مهما كان الحال وأن لا يتهاون في هذا الأمر. فإن التساهل في ذلك يوقع المؤمن في الحرام ومن حام حول الحمى وقع فيه.

ثامنا: أن يحرص على صحبة الصالحين ومجالستهم ولو كان شخصا واحدا وأن يعتني بهذه الصحبة ويستشعر أنها قربة وطاعة. فليحرص على لقياه مهما بعد اللقاء وطالت المسافة بينهما. فإن الإرتباط بالرجل الصالح ولو قل علمه يثبت المؤمن ويعينه على الطاعة. أما الانعزال عن الصالحين والزهد في صحبتهم يجعل المؤمن ضعيفا فريسة سهلة لشياطين الإنس والجن. وكثير من الناس لما قصروا في ذلك تغيرت أحوالهم وابتعدوا عن الجادة والله المستعان.

تاسعا: أن يشتغل بالدعوة إلى الله وهداية الخلق لربهم ونشر الدين. فإن الإشتغال بذلك يثبت الإيمان في القلب ويشرح الصدر ويورثها اطمئنانا ويقينا ويصرفها عن مداهنة الباطل والركون إلى الدنيا وأهلها وتضييع الأوقات في اللهو والباطل. فالنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. والمؤمن إذا ترك الدعوة للدين وصار من أهل البطالة وأخلد إلى الدنيا ضعف يقينه وثقته بدينه وسهل التأثير عليه وجره إلى طريق المعصية.

ومما يؤسف أن كثيرا من المسلمين تركوا التدين لما أقاموا في بلاد الكفر متأثرين بالمظاهر المادية والحضارة الزائفة. ومنهم من انسلخ عن دينه بالكلية والعياذ بالله.

وأخيرا فإن المؤمن إذا كان حريصا على سلامة دينه وبقاء إيمانه كما يحرص على عمارة دنياه وصدق مع الله وتعاطى الأسباب النافعة فإن الله سيحفظ دينه وييسر أمره ويثبته على الصراط المستقيم مهما كثرت العوائق في طريقه وأطلت عليه الفتنة بصنوفها. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ). وقال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ).

خالد بن سعود البليهد
binbulihed@gmail.com
الرياض: في 2/3/1429

Admin · شوهد 118 مرة · وضع تعليق
20 فبراير 2009 

الذنوب الخفية

الذنوب الخفية

 

خالد بن سعود البليهد


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد فإنه يجب على العبد أن يتجنب الذنوب كلها دقها وجلها صغيرها وكبيرها وأن يتعاهد نفسه بالتوبة الصادقة والإنابة إلى ربه. قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). وروى الإمام أحمد عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعودٍ وذا بعودٍ حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه).

وإن من أخطر الذنوب على العبد الذنوب الخفية التي تتعلق بالقلب وذلك لخفائها عن النفس وخفائها عن الناس ، ولأن العبد لا يشعر بها غالبا ولا يحدث نفسه بالتخلص منها خلافا للذنوب الظاهرة التي يشعر المذنب بها ويلوم نفسه على فعلها.

ومما يبين خطر هذه الذنوب أن إهمال العبد لها والتساهل فيها يؤدي إلى انتكاسة العبد عن الطاعة فهي كامنة في القلب تغلي فيه فإذا نزل بالعبد نازلة أو ضاقت به الحال ظهرت على جوارحه وأفسدت دينه ، وكذلك إذا نزل الموت بالعبد وكان أضعف ما يكون والشيطان حريص على أن يظفر به غلبت عليه هذه الذنوب وأحاطت به فأهلكته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة). متفق عليه.

وكثير من الخلق لا يعتني بالأحوال الباطنة والأعمال القلبية فيعمر ظاهره بالعمل الصالح ويهمل إصلاح باطنه فتراه مصليا صائما منفقا لكن قلبه مصاب بأنواع من الأمراض والذنوب الخفية والعياذ بالله ويظن أنه على خير.

ولو فتش أحدنا قلبه لوجد أنه مبتلى بشيء من ذلك ولا يكاد يسلم أحد إلا من سلمه الله ووفقه للهداية الخاصة.

فالواجب على العبد أن يحرص أشد الحرص على إصلاح باطنه وتزكية نفسه وأن يبذل وسعه في تطهير قلبه من الآثام ومداواته وتعاهده بالأدوية الشرعية النافعة. قال تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ). فلا ينفع العبد يوم القيامة إلا القلب السليم من الشبهات والشهوات.

والذنوب الخفية كثيرة من أبرزها وأشدها خطرا ما يلي:

1- الرياء: وذلك أن العبد يريد بعمل الآخرة ويقصد به الرياء والسمعة أو عرضا من الدنيا فمن رائى حبط عمله وحرم الثواب. وقد ورد ذم شديد ووعيد للمرائي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به) متفق عليه. والرياء أخفى الذنوب وهو من الشرك الأصغر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فلما سئل عنه؟ قَالَ: الرياء) رواه أحمد. والمؤمن الحق هو الذي يخلص في عمله ويقصد بطاعته وجه الله والدار الآخرة ولا يلتفت قلبه إلى غير الله. قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).

2- الكبر: وهو ذنب عظيم يوجب دخول النار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس). رواه مسلم. والكبر أن يتعاظم المرء نفسه فيحمله على أن يختال في مشيته ويزدري الخلق ويتنقصهم ويرد الحق إذا جاء ممن دونه أو خالف هواه. والكبر هو الذي حمل الشيطان على عصيان ربه والامتناع عن السجود له وحمل صناديد قريش على رد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. والكبر من خصائص الله تعالى لا يليق إلا به فمن نازعه فيه أهلكه وكبه في النار. عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قال الله عز وجل : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار). رواه مسلم.

3- الحسد: من أخطر الذنوب وقد روي أنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. وهو ذنب يفسد إيمان العبد بالقضاء والقدر ويضر المسلمين فأثره متعدي. والحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير. فالحاسد مسيء الظن بربه معترض على القدر ساخط على حكمة الله تعالى في قسمته الأرزاق والنعم غير قانع بما آتاه الله. قال تعالى في الاستعاذة من الحسد والحاسد: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ). ومن عين الحاسد ونفسه الخبيثة تنشأ العين التي تهلك المعيون في نفسه وأهله وماله وتجعل حياته جحيما لا يطاق. وقد أثنى الله على الأنصار لخلو قلوبهم من الحسد فقال تعالى: (وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمّآ أُوتُواْ). وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بطلوع رجل من أهل الجنة فتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص ليتبين خبره فلم ير فيه كبير عمل فسأله عن العمل الذي رفع منزلته فقال الرجل: (ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه). رواه أحمد.

4- الظن السوء: وهو ذنب عظيم قد يوجب للعبد الردة والعياذ بالله. وهو إساءة العبد الظن بربه في وعده ووعيده والسنن التي يجريها الله على الأمم. فإذا نزل بالعبد نازلة اعترض على قضاء الله وقدره ولم يسلم الأمر لله وظن فيه ظن السوء. أو يظن العبد أن الدولة للكفار والغلبة لهم وأن الله يخلف وعده لعباده ولا يعلي دينه وينصر أتباعه. أو يتشائم العبد في الأشياء التي يكره سماعها والنظر إليها فكل هذا من سوء الظن بالله وهو من أخلاق المنافقين. قال تعالى: (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ). وقال تعالى: (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا).

5- الغل: ومن الذنوب الخطيرة التي تدل على عدم سلامة القلب وقلة النصح للعباد الغل والحقد وهو أن يحمل العبد في قلبه غلا وحقدا على أحد من المسلمين لسبب أو لغير سبب. وهو من الظلم والبغي بغير الحق. وسلامة القلب من أعظم أسباب دخول الجنة. والمؤمن الحق لا يغل ولا يحقد مهما ظلم أو خاصم. ومن كمال نصحه ومحبته للمؤمنين أن يستغفر لمن سبقه بالإيمان ويدعو الله بأن يطهر قلبه من الضغائن والأحقاد. قال تعالى في ذكر دعاء الصالحين: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ). وقال سفيان الثوري: (وإياك والبغضاء فإنما هي الحالقة وعليك بالسلام لكل مسلم يخرج الغل والغش من قلبك، وعليك بالمصافحة تكن محبوباً إلى الناس).

6- العجب: ومن أعظم ما يهلك العبد ويحبط عمله ويضيع نصيبه في الآخرة وقوعه في العجب. وهو أن يعجب بعمله الصالح ويمن على الله حتى يصيبه الغرور والعياذ بالله. ويحمله ذلك على تزكية نفسه والانقطاع عن الطاعة فلا يستمر في الصالحات ويظن أنه أدى حق الله وتفضل عليه واستوجب دخول الجنة. وهذا من أعظم المهلكات التي تعرض للناسك الجاهل قليل البصيرة. والمؤمن الحق هو الذي يعمل العمل ويتقرب به إلى الله تعالى وهو خائف وجل أن لا يقبل الله منه قد مقت نفسه في الله ونظر مشفقا إلى ذنوبه وتفريطه في جنب الله وله نظر آخر إلى عظم حق الله وحق آلائه ونعمه التي لو عبد الله ألف سنة ما أدى شكر نعمة واحدة. وهو مع ذلك يوقن أنه لن يدخل الجنة بعمله إنما يدخلها برحمة الله. فهو كثير التوبة والندم كثير الإنابة والخشية لله كثير الشعور بالتقصير وقلة الشكر لله والله المستعان. قال تعالى واصفا حال المخبتين: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ). قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل ؟ قال: (لا يا بنت الصديق, ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل). رواه الترمذي. و قال الحسن البصري: (إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة, وإن الكافر جمع إساءة وأمناً).

7- الشح: ومن الذنوب العظيمة التي إذا أصابت العبد أهلكته وجعلته عبدا للدنيا يغضب ويرضى لأجلها الشح وشدة الطمع والحرص على جمع حطام الدنيا ولو على حساب دينه. قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) رواه مسلم. فإذا غلب حب الدنيا على قلب العبد أصيب في مقتل وزهد في عمل الآخرة وصارت الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه وحمله ذلك على البخل ومنع الحقوق والتعدي على حرمات الله لا يتورع أبدا عن أكل المحرمات والشبهات ينازع الناس في الدرهم الحقير. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الذم: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش). رواه البخاري. والمؤمن الحق هو الذي يعمل للدنيا كأنه يعيش أبدا ويعمل للآخرة كأنه يموت غدا. ينظر إلى الدنيا على أنها وسيلة للطاعة والاستغناء عن الخلق يسخرها ويستعملها في طاعة الله ويتقي الله في جمعها وإنفاقها. وقد كانت الدنيا في أيد الصحابة ولم تكن في قلوبهم. قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).

8- طول الأمل: ومن أعظم ما يفتن قلب المؤمن ويجعله يعيش في الأماني وتسويف التوبة طول الأمل. فيظن العبد أن حياته طويلة وأنه سيعمر في هذه الدار. وهذا الشعور السيء دليل على حب الدنيا وإيثارها على الآخرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر). رواه مسلم. والمرء إذا علم أن سفره بعيد لم يتأهب له ولم يتزود بما يعينه على السفر. وكلما هتف هاتف التوبة وحدث الملك النفس بالمبادرة بالعمل الصالح والإقلاع عن المعاصي قال القلب المفتون إنك مخلد في الدنيا وما زال في العمر مهلة فاستمتع بشبابك حتى يمضي العمر ويختم للعبد خاتمة سوء ويؤخذ على حين غرة. أما المؤمن الحق فيوقن أن هذه الدنيا دار ممر لا مقر فيها وأنه مسافر عنها عما قريب وأنه مهما أقام فيها وطال عمره فإن هذا يسير جدا بالنسبة للخلود في الآخرة وأنه لن يخلد في الدنيا فيتأهب للمسير ويتزود بالتقوى ويتعاهد نفسه بالتوبة ويمتثل وصية رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. قال ابن عمر رضي الله عنهما : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبيّ فقال : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) . وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك". رواه البخاري.

والذنوب كثيرة والمقصود تنبيه المؤمن على أن يفطن لخطر الذنوب الخفية ويسعى جاهدا في التخلص منها ولا يزكي نفسه ويكون شديد الحذر والخوف من سوء الخاتمة ويجعل في وقته وفكره وبرامجه نصيبا للعناية في هذه المسائل الخفية والأحوال القلبية. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

خالد بن سعود البليهد
binbulihed@gmail.com
الرياض: في 18/2/1429
Admin · شوهد 118 مرة · وضع تعليق
20 فبراير 2009 

علاج قسوة القلب

موضوع مهم جدا

Admin · شوهد 128 مرة · وضع تعليق